مجمع البحوث الاسلامية

318

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

عظيم بل هو أعظم شأن بين اللّه تعالى وبين عباده ، وقد كان في أوّل ما نزل منه قوله عزّ وجلّ : إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ثمّ نزل في تفسيره : لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ الحشر : 21 . وكان ينزل على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في اليوم الشّديد البرد فيفصم عنه الوحي وهو يتفصّد عرقا ، وكان يكاد يهيم بشدّة وقعه وعظم تأثيره حتّى كاد يلقي بنفسه من شاهق الجبل « 1 » ، وأيّ قلب يحتمل وصدر يتّسع لكلام اللّه العظيم ، ينزل به عليه الرّوح الأمين ، إذا لم يتولّ سبحانه بفضله شرحه ، وإعانته على حمله ، وهو ما امتنّ به على رسوله بقوله : أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ فهذا وجه مظنّة وقوع الحرج بمعناه اللّغويّ الأصليّ بالنّسبة إلى الرّسول نفسه ، وكونه تعالى صرفه عنه بشرحه لصدره ، ويصحّ فيه أن يكون النّهي تكوينيّا . وله وجه آخر باعتبار تبليغه إيّاه ، فإنّه صلّى اللّه عليه وسلّم كلّف به هداية الثّقلين ، وإصلاح أهل الخافقين ، ومن المتوقّع المعلوم بالبداهة أنّ المتصدّي لذلك لا بدّ أن يلقى أشدّ الإيذاء والمقاومة ، والطّعن في كتاب اللّه ، والإعراض عن آيات اللّه ، وهي أسباب لضيق الصّدر ، كما قال تعالى في آخر سورة الحجر : 97 : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ وفي آخر سورة النّحل : 127 ، بعدها : وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ومثله في سورة النّمل . وقال تعالى في أوائل سورة هود : 12 فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ . والمراد من النّهي « 2 » عن أمر طبعيّ كهذا الاجتهاد في مقاومته ، والتّسلّي عنه بوعد اللّه ، والتّأسّي بمن سبق من رسله عليهم السّلام . فهذان الوجهان الوجيهان ، من تفسير القرآن بالقرآن ، ينافيان ما روي من تفسير الحرج بالشّكّ ، ويغنيان عمّا تمحّله المفسّرون في توجيهه بالتّأويل الشّبيه بالمحك ، وما أكثر ما روي في التّفسير بصحيح حتّى بالغ الإمام أحمد ، فقال : لا يصحّ فيه شيء ، وما كلّ ما صحّ منه مقبول ، إلّا إذا صحّ رفعه إلى المعصوم صلّى اللّه عليه وآله . وأمّا قوله تعالى في سورة يونس : 94 : فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ فهو على سبيل فرض المحال ، المألوف في أمثال هذه المواضع والمحالّ ، وشرط ( إن ) لا يقتضي الوقوع بحال من الأحوال . ومثله في هذه السّورة قوله تعالى بعد نهيه صلّى اللّه عليه وسلّم عن دعاء غير اللّه : فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ يونس : 106 ، وقوله في غيرها : قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ الزّخرف : 81 ، وفي ابن جرير وغيره أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال في آية يونس : « لا أشكّ ولا أسأل » . ( 8 : 303 ) سيّد قطب : يصوّر حالة واقعيّة لا يمكن أن يدركها اليوم إلّا الّذي يعيش في جاهليّة ، وهو يدعو إلى

--> ( 1 ) كذا جاء في رواية أنكرها المحقّقون . ( 2 ) كذا ، والظّاهر : منه .